الخيل والفروسية عند العرب
قال الجاحظ: >لم تكن أمة قط، أشد عجباً بالخيل، ولا أعلمبها، من العرب<، وقد لعبت الخيل دوراً بارزاً في حياة العرب، وتركت أبلغ الأثرفي لغتهم وأدبهم وطباعهم، فمن حيث اللغة أضافت إليها كثيراً من الألفاظ التي تتعلقبأعضائها وصفاتها وحركاتها·
وفي مجال الأدب ألهبت أخيلة الشعراء، فتغنوا بشجاعتها ورشاقتها وخيلائها، وأماطباع العرب فقد روضتها الفروسية، فأحسنت رياضتها، وبثت فيها النخوة والحمية·
وترجع عناية العرب بالخيل إلى فجر العروبة، أي منذ اتخذوها عوناً لهم علىأعدائهم، فشاركتهم الأمجاد والانتصارات، ومن أجل ذلك أوصى >أكثم بن صيفي< قومه بالخيل فقال: عليكم بالخيل فأكرموها فإنها حصون العرب، كذلك قال فيها الشاعريزيد العبدي:
مفداة مكرمة علينا ***** تُجاع لها العيال ولا تُجاع
ولذلك ليس هذا عجيباً أن حفظ العرب أنسابها، بقدر ما حفظوا أنسابهم، وصانوها منالهجنة ما استطاعوا، ولم يدخروا وسعاً في سبيل إعزازها·
انتشار الخيل بين العرب
للخيول قصة عريقة وشيقة يقال إنها كانت وحشية غير مستأنسة، ثم كان أول من اعتنىبها >إسماعيل بن إبراهيم< عليه السلام، سخرها الله له فكان أول من ركبها·
وكان نبي الله >داود< محباً للخيل شغوفاً بها، فجمع منها ألف فرس ورثهاعنه سليمان، فقال فيها: >ما ورثني داود مالاً أحب إليَّ من هذه الخيل<، وقيلإن >سليمان بن داود< جلس يستعرض خيوله يوماً حتى شغلته عن صلاة العصر، ولميبق منها سوى مئة فرس، فأدرك فوات الصلاة، فغضب وقام لصلاته ثم عاد لاستعراض المئةالباقية قائلاً: >هذه المئة أحب إليَّ من التسعمئة التي فتنتني عن ذكرربي<·
وروى ابن الكلبي أن أول ما انتشر في العرب من تلك الخيل أن قوماً من >الأزد< من أهل >عُمان< قدموا على >سليمان< بعد تزوجه >بلقيس< ملكة سبأ، فسألوه: عما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم حتى قضوافي ذلك ما أرادوا، وهمُّوا بالانصراف، فقالوا: يا نبي الله: إن بلدنا شاسع، وقدأنفقنا من الزاد، مر لنا بزاد يبلغنا بلادنا، فدفع إليهم >سليمان< فرساً منخيله من خيل >داود< قال: هذا زادكم، فإذا نزلت فاحملوا عليه رجلاً وأعطوهمطرداً >المطرد: رمح قصير يطعن به حمار الوحش< وأوروا ناركم، فإنكم لن تجمعواحطبكم وتوروا ناركم حتى يأتيكم بالصيد، فجعل القوم لا ينزلون منزلاً إلا حملوا علىفرسهم رجلاً بيده مطرد واحتطبوا وأوروا نارهم، فلا يلبث أن يأتيهم بصيد من الظباءوالحمر فيكون معهم ما يكفيهم ويشبعهم، ويفضل إلى المنزل الآخر، فقال الأزديون: مالفرسنا هذا اسم إلا >زاد الراكب<·· فكان أول فرس انتشر في العرب من تلكالخيل، فلما سمعت >بنوتغلب< أتوهم فاستطرقوهم، فنتج لهم من زاد الراكب ـالهجيس، فكان أجود من زاد الراكب·
ثم توالت الأنساب والأحساب بين خيول العرب من سلاسلة >زاد الراكب< فكانمنها >الديناري<، و>أعوج وسبل<، و>ذو العقال<، و>جلوى<،و>الخرز<إلى أن كانت مئة وسبعة وخمسين فرساً معروفة في الجاهلية والإسلام،وهذه الأسماء يعرفها من هو ذو خبرة ودراية بتاريخ الخيول العربية ولا يتسع الحديثهنا عن ذكرها بالتفصيل·



الرد مع إقتباس