البنيويه

بدأت المقاربات النقدية بين االنسق الغربي والعربي في العشرينات عندما عاد طه حسين من فرنسا بمنهج الشك لدى ديكارت وتبعه الكثير على امتداد الخارطة النقدية العربية حتى وصلت الينا البنيوية ثم مابعدها ثم النقد الثقافي
وسنحاول هنا ان نبدأ مع الأدب الغربي وكيف بدأت هذه النظريات هناك

الشفافية
وهو مااعتمد على الأطروحات القديمة كالروايات الشفاهية والأسطورات السومرية القديمة ومزامير داود والملحمة الروسية المسماة بالبلينا Bylina والمواعظ الشعبية الأمريكية وعن تقاليد الأنيو ( شعوب يابانية بدائية انتقلت لمنغوليا ) والتركيك وماانبثق عنها من تركية وتركمانية وتتارية في اسيا الوسطى
وهذا ماكان شائعا في الأعمال الفنية الأدبية حيث كان الأدب او العمل الفني يلقى على الناس مباشرة في احتفالية ومن فم مؤلفه مباشرة ولم تكن هناك قيود على العمل أقصد قيودا كتابية وكان هناك إستقلا ل ذاتيا لكل عمل فردي من الأعمال الفنية والنصية وهو مايسمى ( الخطاب المستقل بذاته) حتى أواخر القرن التاسع عشر
وقد ورد هذا عند كل من:-
فولي 1980 كورشان 1967 وهايمس 1973 ويذكر هذا على وجه الخصوص أونج في اطروحته الشفافية والكتابية
حيث يقول ايضا بأن أدب العصور الوسطى لم يكن حرا طليقا بل كان يرزح تحت ضغوط مركزية النص المقدس مما حال دون جعله عملا كتابيا واكتفى بان يكون شفاهيا على عكس أدب اليونانيين والرومانيين القدماء حيث لم تك لديهم نصوص مقدسة وكانت دياناتهم تخلو من اللاهوت الرسمي فكان لديهم مزج بين الشفاهية والكتابية من خلال النصوص التي وجدت في الحواشي لبعض الأعمال أما كتاب العصور الوسطى فكانت أعمالهم الأدبية تقرأ جهرا
واستمرت كذلك حتى عصر النهضة كما يؤكد ذلك وليم نلسن حيث يورد عمله جيرون كورتيزي كمثال على ماقال ونوه بأن عمله يصلح لأن يكون عملاً شفاهيا ومكتوبا ويواصل نلسن قوله بأن هذا ماحدا بالكاتب فيليب سيدني مراجعة قصيدته المسماة أركاد القديمة المعتمدة على المبالغة في الأسلوب والإستعارة الرمزية والتكلف البلاغي إنتهى
ماوددت التنويه اليه هنا هو الفجوة الكبيرة الموجودة في الأدب الغربي لوجود ثلاث مراحل وهي :-
اليونانية والرومانية القديمة الزاخرة بالخيال المتحرر والسياق الأسطوري والنسق اللغوي الخاص المختلف تماما عن العصور الأخرى والمساحات الكبيرة الخالية من القيود الفكرية والإجتماعية والدينية

العصور الوسطى التي كانت تهتم بقوة المفردات والنسق المندرج تحت الضوابط القدسية الكنائسية اللاهوتية وامتد هذا حتى بدايات القرن التاسع عشر حيث كانت اللغة الأنجليزية تدرس في الجامعات على استحياء كلغة ادبية

العصر الحديث وهو نهاية القرن التاسع عشر وماتبعه من تخبطات واستجراء إليوت وشتراوس لموائمة جميع التوجهات النقدية في قالب ونسق موحد على اختلاف المعطيات والمفردات وحتى اللغة والأديولوجية ناهيك عن تعدد الميثولوجيات فيما بينها مما يتعذر معه وضعها في قالب واحد مبسط وتقديمها للمتلقي بكل عجزه عن فهم النسق القديم واستيعاب المنظومة الغير متوازنة من ناحية جمالية النص وقوته او المفردات اللغوية والخيال الأدبي من هنا برزت اشكالية القراءة النقدية للنص وبدأت البنيوية تتصدر الأطروحات الأدبية كالغائب المخلص والعبائة التي ستستر العيوب والثغرات اللغوية للتيارات المتباينة وهذا مااورده (كلود ليفي شتراوس ) في كتابه البنيوية والسميوطيقيا حيث أخذ مجموعة أنساق قصصية وقام بتفتيتها بمصطلحات ثنائية مجردة بدلاً من مصطلحات الحبكة للقصة وهي كما يقول لايناظرها إلا اللغة نفسها بعناصرها المتقابلة ( الفونيم , المورفيم ....الخ ) ويتجاهل هو ومن سار ورائه الديناميات النفسية والإجتماعية الخاصة بالنسق الأدبي ويقوم بتجريد العمل من كل ماحوله حتى كاتبه ويفكك العمل من خلال لغته إلى ثنائيات متقابلة على طريقة الحاسوب
( الصفر + الواحد) وهذا ماأكده كل من رولان بارت /فيليب سولر وجاك دريدا وعبدالله الغذامي في كتابه ( القصيدة والنص المضاد ) وماينوه عنه إضماراً في مقد متة وهو يقصد هذه الثنائية الحاسوبية يقول ( وهذا الكتاب يكشف في القصيدة عن القصيدة وفي اللغة عن اللغة وفي النص عن النص المضاد واخيراً بحثت عن الصوت كمضاد لغوي في مقابلة الموت )
كما يستشهد بكلام بكلام تي إس إليوت ( إنه لم يؤثر في الآداب القديمة شيء قدر ماأثرت الآداب الحديثة ) حيث يقول الغذامي بأن الأدب الحديث هو المؤثر في القديم وليس العكس

وهذه المجموعة ومعهم آخرون يركزون على ميتافيزيقيا الحضور (مصطلح النومين ) أي معرفة الشيء في ذاته بفصله عما حوله و معرفة النص من خلال دلالاته اللفظية ومحاوره اللغوية وتجريده من شموليته للنواحي الأخرى نفسية اجتماعية ديموغرافية وحصره في كينونته وهذا هو المبدأ العقلاني للكون في الفلسفة اليونانية القديمة وهو مايعبر عنه في الكلمات والأشياء بفصلها عما حولها
وهذه المجموعة تحصر النقد بين متضادات وتجعله يراوح بين القواعد والإستثنائات - السببية والمطلق- العلمي والميتافيزيقي وهو ماافرزته العقلانية لنا ولم تستطع التحكم فيها وتوضيفها للقواعد النقدية المعروفة
وهنا أذكر بأن ألأدب العربي بل القصيدة العربية لم تشكو يوما ما من الإغتراب عن النسق الأوحد منذ القصيدة الجاهلية الخارجة من جزالة لغة الصحراء الى القصيدة العباسية الى عصرنا هذا فهي على عكس الآداب الغربية تمتلك لغةً موحدة ومرجعية لغوية ثابتة لن تتغير وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ القرآن فحفظ لنا لغتنا
فلا حاجة لنا بفصل هذه الأنساق بطريقة نقدية حديثة غير شريفة في دوافعها الفكرية والمنهجية
من الممكن بل ومن الجميل أن ندرج تفكيك النص والدلالات اللفظية ضمن نقدنا الأدبي في توظيف مدخل آخر للنص الأدبي ولكن دون عزل هذا المنهج وجعله هو السائد وإلغاء النواحي الأخرى والأ سيفقد النقد النواحي الجمالية في دراسة النصوص الأدبية ويستحيل النقد نهجا جافا من ينابيع الإبداع غير عمليات حسابية مما يصرف الناس عن الأدب ويغرب العقل المسلم عن لغته في خطوة خبيثة لتغريبه عن ميثولوجيته العربية
ومن ثم عن القرآن الكريم وهذا ماأراده المنظرون الغربيون على مدى قرون كثيرة فهل عادوا الينا الآن يتقمصون الإنموذج العربي لغةً وجلدا وجذورا ولكن ليس فكرا في محاولة إقناع بطرح محاور نقدية حوارية تغرب النسق العربي في دهاليز التخبطات الغربية والتنظيرات الفلسفية.

المراجع
القصيدة والنص المضاد -------------عبدالله الغذامي
الشفاهية والكتابية--------------------والترج. اونج
إشكالية الحداثة----------------------محمد ابو شوارب
الوساطة بين المتنبي وخصومه-----علي عبد العزيز الجرجاني تحقيق علي البجاوي ومحمد ابو الفضل
الخطيئة والتكفير-------------------عبدالله الغذامي
النقد الغربي والنقد العربي---------محمد ولد بوعليبه
تشريح النص----------------------عبدالله الغذامي
الفكر الشرقي القديم---------------جون كولر ترجمة كامل يوسف حسين


أتمنى الإفاده